لم تكن الصدمة الأولى لحرب إيران مجرد اختبار عسكري، بل كانت تحدياً وجودياً لاقتصادات المنطقة؛ إلا أن الفارق الحقيقي في الشهر الأول من النزاع تجسد في الاستعدادات الاستباقية التي تبنتها المملكة العربية السعودية قبل سنوات.
فبينما ارتبكت الملاحة في مضيق هرمز، برزت المملكة كمحور رئيسي لإعادة تنظيم تدفقات النفط والتجارة العالمية، مستندة إلى منظومة لوجستية متعددة المسارات طورتها على مدى عقود لتكون "حائط صد" منيعاً أمام التقلبات الجيوسياسية.
ومع امتداد تداعيات الأزمة إلى سلاسل الإمداد والغذاء، سارعت الرياض إلى تفعيل شبكة متكاملة تربط الموانئ بخطوط الأنابيب والسكك الحديدية، مما حافظ على انسيابية التدفقات ومنع حدوث اختناقات اقتصادية حادة.
رسائل طمأنة واستثمارات "يوم الحساب"
جاءت الرسائل الرسمية السعودية لتؤكد متانة الاقتصاد في وجه العاصفة؛ حيث وصف وزير المالية، محمد الجدعان، المرحلة الراهنة بأنها "اختبار عملي" لجدوى استثمارات ضخمة ضختها المملكة لسنوات دون عوائد فورية، لكنها اليوم أصبحت الأداة الوحيدة لإدارة إمدادات الطاقة عالمياً.
وأشار الجدعان إلى أن الاقتصاد السعودي أظهر مرونة فائقة مماثلة لتعافيه من جائحة كورونا، مؤكداً أن المستثمرين يهرعون في أوقات الأزمات نحو الوجهات الأكثر استقراراً، وهو ما يضع السعودية في مقدمة هذه الفئة.
وفي السياق ذاته، أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، أن محفظة الصندوق المتنوعة والمرنة هيكلياً تعزز قدرة المملكة على التكيف مع المتغيرات، بينما أوضح وزير النقل صالح الجاسر أن التوسع في الممرات البديلة يضمن استمرارية التجارة الإقليمية بعيداً عن المسارات التقليدية المهددة.
"بترولاين" وينبع.. صمام أمان الطاقة العالمي
في قلب هذه الاستجابة، برز خط أنابيب "شرق–غرب" (بترولاين) كأكبر هامش مناورة نفطي في المنطقة؛ إذ يتيح نقل نحو 5 ملايين برميل يومياً من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل.
وتشير البيانات إلى قفزة هائلة في التدفقات عبر هذا الخط خلال شهر مارس، حيث ارتفعت الصادرات المنقولة عبره إلى 3.8 مليون برميل يومياً مقارنة بـ 0.8 مليون برميل في بداية العام. وقد تحول ميناء ينبع إلى نقطة الارتكاز الرئيسية للتصدير نحو الأسواق الغربية، مدعوماً بمرافق تخزين ضخمة وقدرة استيعابية مرنة، مما رسخ دور المملكة كضامن أول لإمدادات الطاقة العالمية في أحلك الظروف.
الموانئ الغربية.. بوابة بديلة للغذاء والتجارة
ولم يتوقف التحول عند النفط، بل امتد ليشمل السلع التجارية والغذائية؛ حيث برزت موانئ جدة الإسلامي والملك عبدالله كمنافذ رئيسية بديلة لدول الخليج التي تعتمد على الواردات بنسبة 85% لتأمين احتياجاتها الغذائية.
وأضافت الهيئة العامة للموانئ خمس خدمات شحن جديدة بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية مثل "MSC" و"ميرسك"، لضمان وصول الحاويات بعيداً عن مناطق التوتر.
وأكد مسؤولون أن الاستثمارات المشتركة مع القطاع الخاص، والتي تجاوزت 21 مليار ريال، حولت هذه الموانئ إلى مراكز لوجستية عالمية قادرة على إدارة فائض الاحتياجات الخليجية، مع تقديم تسهيلات جمركية استثنائية لضمان سرعة العبور وتخفيف كلفة الشحن والتأمين المرتفعة.
المملكة ممر بري وسككي لإمدادات الخليج
ومع تزايد الضغوط البحرية، تحولت الأراضي السعودية إلى ممر بري حيوي يربط موانئ الساحل الغربي بدول الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان عبر آلاف الشاحنات.
وتكامل هذا الجهد مع توسع دور السكك الحديدية؛ حيث رفعت شركة "سار" قدرتها الاستيعابية لنقل أكثر من 2500 حاوية يومياً عبر قطارات بضائع تمتد لأكثر من 1700 كيلومتر، وصولاً إلى الأردن شمالاً.
كما دخلت الحلول الجوية على الخط، حيث استخدمت شركات طيران إقليمية المطارات السعودية الداخلية، مثل مطار القيصومة، كنقاط بديلة للهبوط والتشغيل لتفادي المجالات الجوية المغلقة، مما ضمن استمرارية تدفق السلع الحساسة كالمنتجات الطبية.
زخم اقتصادي وتصنيفات ائتمانية مستقرة
توجت هذه الجهود اللوجستية بإشادات دولية، حيث ثبتت وكالة "إس آند بي غلوبال" تصنيف المملكة عند "A+" مع نظرة مستقرة، مؤكدة قدرة الرياض على تجاوز تداعيات النزاع بفضل مرونة صادراتها وقدراتها التخزينية التي تصل إلى 30 مليون برميل داخلياً وخارجياً.
ودخل الاقتصاد السعودي الأزمة بزخم قوي، مسجلاً نمواً بنسبة 5% في الربع الأخير من عام 2025، مدعوماً بنشاط نفطي وغير نفطي متوازن.
وبناءً على هذه المعطيات، رفع صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد السعودي، مما يعكس تحولاً استراتيجياً جعل من المملكة مركزاً إقليمياً متكاملاً لإدارة سلاسل الإمداد العالمية في ظل بيئة دولية مضطربة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض