مع استمرار التصعيد العسكري في الحرب الإيرانية وتزايد اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، تتجه الأنظار إلى التداعيات المحتملة على الشرق الأوسط ككل، وفي القلب منه مصر، فمثل هذه الصراعات لا تبقى محصورة في ساحات القتال، بل تمتد آثارها سريعًا إلى الملفات السياسية والاقتصادية، بدءًا من اضطراب أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية، مرورًا بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وصولًا إلى تأثيرها على الاستقرار الإقليمي والتحالفات السياسية.
تداعيات استمرار الحرب الإيرانية
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يفرض ضغوطًا إضافية على اقتصادات المنطقة، خاصة مع حساسية الممرات البحرية وأسواق النفط والغاز، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم وأسعار السلع وحركة الاستثمار.
من جانبه قال الدكتور إسلام المنسي، الباحث السياسي والمتخصص في الشأن الإيراني، إن استمرار الحرب الحالية في المنطقة سيحمل تداعيات أكبر بكثير من الآثار التي نشهدها في الوقت الراهن، مشيرًا إلى أن الصراع لا يقتصر فقط على المواجهات العسكرية، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة.
الصراع الحالي أخطر من مجرد مواجهة عسكرية
وأوضح المنسي في تصريحات خاصة لـ العقارية، أن استمرار العمليات العسكرية سيؤدي إلى اضطراب واسع في سلاسل الإمداد والشحن الدولية، إلى جانب التأثير الكبير على أسواق الطاقة، وهو ما سينعكس بدوره على اقتصادات العديد من الدول حول العالم، خاصة الدول التي تعتمد بشكل أساسي على استقرار إمدادات النفط والغاز.
وأضاف أن التداعيات لن تكون اقتصادية فقط، بل ستشمل أيضًا الأمن الإقليمي، حيث إن تصاعد التوترات يهدد استقرار دول المنطقة، وقد يؤدي إلى تعطّل العديد من المشروعات التنموية والاقتصادية، فضلًا عن التأثير على الحياة اليومية في بعض الدول نتيجة حالة عدم الاستقرار الأمني.
وأشار الباحث في الشأن الإيراني إلى أن الهدف الأوسع من هذه الحرب يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، إذ تسعى الأطراف المنخرطة في الصراع إلى إعادة رسم خريطة موازين القوى في الشرق الأوسط، بما يغير من طبيعة النفوذ الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
إسرائيل تسعى لترسيخ موقعها كقوة مهيمنة في المنطقة
وأكد أن إسرائيل تسعى من خلال هذا الصراع إلى ترسيخ موقعها كقوة مهيمنة في المنطقة دون منافسة، بينما تحاول الولايات المتحدة إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية، في إطار رؤية أوسع للسياسة الأمريكية على المستوى العالمي.
وتوقع المنسي أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من التوتر والتصعيد، خاصة مع اتساع نطاق الهجمات الإيرانية التي طالت أكثر من إحدى عشرة دولة، في مقابل استمرار الضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل الأراضي الإيرانية، مؤكدً على أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولات جديدة في مسار الحرب، حيث يسعى كل طرف إلى البحث عن أدوات وأساليب تصعيد جديدة تمنحه الأفضلية في هذا الصراع المتسارع.
الحرب على إيران لن يكون مجرد مواجهة عسكرية محدودة
ومن جانبها قالت الدكتورة تمارا حداد الكاتبة والمحللة السياسية، إن استمرار الحرب على إيران لن يكون مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل قد يقود إلى تحولات سياسية عميقة في الشرق الأوسط وربما يفتح الباب لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، سيتم إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، فإذا استمرت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لفترة طويلة، فمن المرجح أن يحدث اختلال في ميزان القوى في المنطقة، وقد يتم تراجع نفوذ إيران في بعض الساحات مثل العراق وسوريا ولبنان إذا تعرضت بنيتها العسكرية والسياسية لضربات قوية، بالمقابل قد تحاول قوى إقليمية مثل السعودية وتركيا ملء الفراغ وتعزيز نفوذها.
وأضافت حداد في تصريحات خاصة لـ العقارية، أن توسع الحرب عبر وكلاء إيران قد يوسع الصراع، فإيران تمتلك شبكة حلفاء في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وفصائل مسلحة في العراق، مشيرة إلى أن استمرار الحرب قد يدفع هذه القوى إلى فتح جبهات متعددة ضد المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية، ما قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع إقليميا مثل ما حدث بفتح جبهة جنوب لبنان عن طريق حزب الله وقد يؤدي إلى اشتعال صراع بين إسرائيل ولبنان وسيطرة الجيش الإسرائيلي على جنوب لبنان كمنطقة عازلة .
استمرار الحرب سيغير التحالفات الإقليمية
وأوضحت المحللة السياسية، استمرار الحرب سيغير التحالفات الإقليمية، الحرب قد تدفع بعض الدول العربية إلى التقارب أكثر مع الولايات المتحدة وإسرائيل في إطار مواجهة إيران، أو على العكس، محاولة الحياد وتجنب الانخراط خوفا من انتقال الحرب إلى أراضيها، وهذا قد يعيد تشكيل التحالفات التي ظهرت بعد اتفاقيات إبراهيم.
وتابعت: هناك احتمال كبير لتغير الخريطة السياسية فتغيير الخريطة لا يعني بالضرورة تغيير الحدود مباشرة، لكنه قد يحدث عبر عدة سيناريوهات مثل إضعاف الدولة الإيرانية أو حدوث اضطرابات داخلية قد تؤثر على بنية النظام السياسي، وسيتم تعزيز النزعات الانفصالية في مناطق مثل الأكراد أو البلوش داخل إيران. وسيتم إعادة رسم مناطق النفوذ في دول مثل العراق وسوريا، إضافة إلى تدويل الصراع فإذا طال أمد الحرب فقد تتدخل قوى كبرى بشكل غير مباشر روسيا والصين لو سياسيا أو اقتصاديا أو معنويا أو استخباراتيا .
ولفت إلى أن هذا قد يحول الشرق الأوسط إلى ساحة صراع دولي جديد يشبه إلى حد ما مرحلة الحرب الباردة، كما أن استمرار الحرب على إيران قد لا يغيّر الحدود الجغرافية فورا، لكنه قد يؤدي إلى تغيير خريطة النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وربما يفتح الباب أمام مرحلة إقليمية جديدة تتسم بعدم الاستقرار وإعادة تشكيل النظام الإقليمي.
صدمة اقتصادية عالمية تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد المصري
وفي ذات السياق قال الدكتور على الإدريسي الخبير الاقتصادي، إن أي تصعيد عسكري تقوده إيران في منطقة الخليج، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، يمثل صدمة اقتصادية عالمية تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد المصري، فالمضيق يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، وأي تعطل لحركته يعني قفزة حادة في أسعار الطاقة، وعودة موجات التضخم المستورد، وارتفاع درجة عدم اليقين في الأسواق الدولية.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ العقارية، أن السيناريو الأخطر يتمثل في قفز أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 110 أو 120 دولارًا للبرميل، في هذه الحالة سترتفع فاتورة الواردات البترولية لمصر، ما يضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي، ويزيد الحاجة إلى تدبير عملة أجنبية إضافية، ومع كون الطاقة عنصرًا أساسيًا في تكلفة النقل والإنتاج، فإن الزيادة ستنتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات، خاصة الغذاء والمنتجات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
موجة تضخمية جديدة مصدرها ارتفاع تكاليف الشحن
على مستوى التضخم، أضاف الخبير الاقتصادي، أنه ستظهر موجة تضخمية جديدة مصدرها ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والنقل عالميًا، إلى جانب زيادة أسعار القمح والزيوت والحبوب إذا تأثرت سلاسل الإمداد أو ارتفعت أسعار الوقود المستخدم في الزراعة والنقل، هذا يعني أن معدل التضخم في مصر قد يشهد انحرافًا صعوديًا ملحوظًا مقارنة بالمسار المستهدف، خصوصًا إذا طال أمد الحرب، التضخم هنا لن يكون ناتجًا عن طلب محلي قوي، بل عن صدمة عرض خارجية، ما يجعل السيطرة عليه أكثر تعقيدًا.
وبشأن النمو الاقتصادي، قال الدكتور على الإدريسي، أنه من المرجح أن يتباطأ تحت ضغط عاملين: أولًا، تراجع القوة الشرائية للأسر نتيجة ارتفاع الأسعار، وثانيًا، ارتفاع تكلفة التمويل إذا اضطرت السياسة النقدية إلى التشدد لكبح التضخم، كما أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي قد تؤجل قرارات استثمارية جديدة، سواء محلية أو أجنبية، في قطاعات الصناعة والعقارات والسياحة.
وبشأن قطاع المعادن محليًا، أكد الإدريسي، أنه لن يكون بمنأى عن التأثير فصناعات الحديد والأسمنت والألومنيوم تعتمد على الطاقة بشكل مكثف، وأي ارتفاع في أسعار الغاز أو الكهرباء سينعكس على تكلفة الإنتاج، وبالتالي على أسعار مواد البناء، كما أن أسعار المعادن عالميًا تميل إلى الارتفاع في أوقات الأزمات، سواء بسبب ارتفاع تكلفة الاستخراج أو باعتبار بعضها ملاذًا تحوطيًا.
وفيما يتعلق بالتجارة العالمية، أكد الخبير الاقتصادي، أن أي اضطراب واسع في الخليج قد يؤثر على حركة الملاحة وسلاسل الإمداد، ما ينعكس بدوره على تدفقات التجارة عبر قناة السويس، فإذا تباطأت التجارة الدولية نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، قد تتأثر إيرادات القناة، وهو ما يضيف ضغطًا إضافيًا على موارد النقد الأجنبي.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض