الاستيلاء على الحليف.. هل يكرر ترامب سيناريو فنزويلا في القطب الشمالي لمواجهة النفوذ الروسي والصيني؟


الجريدة العقارية الاربعاء 07 يناير 2026 | 09:27 مساءً
جرينلاند
جرينلاند
محمد شوشة

يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاستحواذ على جزيرة جرينلاند، وقد أكد البيت الأبيض أن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، رغم أن هذا الخيار قد يثير صدمة داخل حلف شمال الأطلسي ويشكل تحديًا وجوديًا للتحالف، إذ يعتبر هجومًا من أحد الأعضاء على عضو آخر. 

وأكد ترامب مرارًا أن جرينلاند حيوية للأمن القومي الأمريكي، مدعيًا بدون دليل أنها "مغطاة بالسفن الروسية والصينية، فيما يقوم خبراء أمريكيون وبريطانيون ودنماركيون بدراسة الخيارات المختلفة التي قد ينظر إليها الرئيس، بما في ذلك العمل العسكري، والضغط السياسي، والشراء الاقتصادي، مع تحليل التبريرات المحتملة لكل سيناريو.

وزاد القلق بعد تأكيد المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن ترامب لا يزال يسعى للاستحواذ على جرينلاند، مشيرة إلى أن الجيش الأمريكي خيار دائم متاح للقائد الأعلى.

السيناريو العسكري

يرى محللو الدفاع أن تنفيذ عملية خاطفة للاستيلاء على جرينلاند ممكن من الناحية العسكرية، نظرًا لصغر عدد سكانها البالغ نحو 58 ألف نسمة، وتواجد ثلث السكان في العاصمة نوك، بينما يعيش الباقي على الساحل الغربي، ولا يمتلك الإقليم جيشًا خاصًا، والدنمارك مسؤولة عن الدفاع عنه، مع قدرات جوية وبحرية محدودة، وغالبية المناطق تخضع لمراقبة وحدة خاصة تعتمد على زلاجات الكلاب.

ورفع الدنمارك ميزانيتها الدفاعية للقطب الشمالي وجرينلاند خلال العام الماضي، بينما تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 100 جندي دائم في قاعدة "بيتوفيك" بشمال جرينلاند، والتي يمكن أن تُستخدم كقاعدة لوجستية لأي عمليات محتملة، وتعد هذه القاعدة من مخلفات الحرب العالمية الثانية، حيث نشرت القوات الأمريكية محطات عسكرية وإذاعية في الجزيرة بعد احتلال النازيين للدنمارك.

وأوضح هانز تيتو هانسن، خبير الأمن الدنماركي، أن الفرقة المحمولة جواً الحادية عشرة المتمركزة في ألاسكا، المزودة بلواءين قطبيين قادرين على الهبوط بالمظلات أو الهليكوبتر، ستكون القدرة الأساسية لأي عملية عسكرية، بدعم من القوات الجوية والبحرية الأمريكية. 

وأكد جاستن كرامب، ضابط احتياط بريطاني، أن نقل عدد كافٍ من القوات يمكن أن يتم بسهولة، مع احتمال ضئيل للمقاومة، وقد تكون العملية خالية من الدماء.

غير أن مسؤولين أمريكيين سابقين يشددون على أن الخيار العسكري مستبعد، لما له من تداعيات قانونية ودبلوماسية كبيرة، إذ يعتبر خرقًا للقوانين الدولية وتحالف الناتو.

وقال ميك مولروي، ضابط سابق في مشاة البحرية ونائب مساعد وزير الدفاع: "جرينلاند ليست تهديدًا للولايات المتحدة بل حليف بموجب معاهدة، وأي هجوم سيخالف القانون الدولي"، مضيفًا أن أي تحرك عسكري سيواجه مقاومة من الكونجرس، الذي يمكنه استخدام قانون صلاحيات الحرب للحد من قدرة الرئيس على شن حرب دون موافقته.

سيناريو الشراء

بالرغم من الموارد المالية الكبيرة للولايات المتحدة، فإن جرينلاند ليست للبيع وفقًا لموقف السلطات المحلية والدنمارك، أفادت شبكة "سي بي إس" أن وزير الخارجية ماركو روبيو أخبر أعضاء الكونجرس أن الشراء هو الخيار المفضل للإدارة، مما يعكس اختلافًا في النبرة عن تصريحات البيت الأبيض.

ويعتقد أن تنفيذ صفقة شراء سيكون معقدًا، إذ يتطلب تخصيص أموال من الكونجرس، والموافقة على معاهدة بدعم ثلثي مجلس الشيوخ، إضافة إلى موافقة الاتحاد الأوروبي، ما يجعل احتمال التنفيذ محدودًا.

وأوضحت مونيكا حكيمي، خبيرة القانون الدولي، أنه يمكن تصور اتفاق بين الدنمارك والولايات المتحدة وجرينلاند، لكن القانون الدولي يقتضي مشاركة سكان الجزيرة في اتخاذ القرار لضمان حقهم في تقرير المصير.

ومن غير الواضح تكلفة عملية الشراء، وقد يشكل ذلك عبئًا سياسيًا على ترامب وقاعدة مؤيديه، الذين قد يرفضون إنفاق مليارات الدولارات على جزيرة مغطاة بالجليد، ويشير خبراء إلى أن الفشل في شراء الجزيرة قد يجعل الخيار العسكري أكثر جاذبية للرئيس، خاصة بعد العملية الناجحة لاعتقال نيكولاس مادورو في فنزويلا.

كسب تأييد السكان المحليين

تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية سكان جرينلاند يرغبون في الاستقلال عن الدنمارك، لكنهم لا يريدون الانضمام إلى الولايات المتحدة، لذلك يمكن للإدارة الأمريكية تكثيف جهودها لكسب ود السكان عبر حوافز مالية قصيرة المدى أو تقديم وعود بفوائد اقتصادية مستقبلية.

وقال عمران بيوني، خبير الجغرافيا السياسية والمستشار السياسي السابق لوزارة الدفاع: "حملة التأثير أكثر احتمالًا من أي عمل عسكري، ويمكن أن تساعد في دفع جرينلاند نحو الاستقلال، لتصبح شريكًا للولايات المتحدة لاحقًا".

ويشير خبراء إلى أن مثل هذه الشراكات ليست جديدة، إذ أبرمت واشنطن اتفاقيات مماثلة مع دول المحيط الهادئ مثل بالاو وميكرونيزيا وجزر مارشال، تمنحها حق الوصول العسكري مقابل امتيازات اقتصادية للسكان المحليين.

ويؤكد المحللون أن أي حملة للسيطرة على الجزيرة بدون موافقة السكان ستفشل، خاصة أن أي أحزاب محلية لا تدعم الانضمام إلى الولايات المتحدة.

ويستنتج هانسن أن جرينلاند قد تتجه مستقبلًا نحو الاتحاد الأوروبي، بينما للإدارة الأمريكية الحالية فترة ثلاث سنوات فقط لإتمام أي خطط طموحة، في حين أن السكان لديهم منظور يمتد لآلاف السنين تجاه مستقبل الجزيرة.

جرينلاند
جرينلاند