التوترات السياسية في فنزويلا وتأثيرها المحتمل على أسواق النفط العالمية


الجريدة العقارية الاحد 04 يناير 2026 | 04:36 مساءً
محمد عاطف

تتجه أنظار أسواق الطاقة العالمية إلى التطورات السياسية المتسارعة المرتبطة باعتقال الرئيس الفنزويلي من قبل الولايات المتحدة، وسط مخاوف من أن تؤدي هذه الأحداث إلى اضطرابات في إمدادات النفط. 

ورغم هذه التوترات، يرى محللو الطاقة أن السوق العالمية لا تزال قادرة على امتصاص أي صدمة محتملة، في ظل وفرة المعروض وضعف الطلب الموسمي، خاصة خلال الأشهر الأولى من العام.

وفرة المعروض تقلل من حدة المخاطر

يرى أرن لوهمان راسموسن، كبير المحللين ورئيس قسم الأبحاث في شركة Global Risk Management، أن أسواق النفط تتفاعل عادة مع التوترات الجيوسياسية بارتفاعات محدودة في الأسعار. ويتوقع أن يشهد خام برنت زيادة طفيفة عند افتتاح التداول، قد لا تتجاوز دولارين للبرميل، قبل أن يعيد السوق تقييم الموقف.

ويؤكد راسموسن أن وفرة الإمدادات، لا سيما في الربع الأول من العام، تقلل من تأثير أي نقص مؤقت في النفط الفنزويلي، مشيراً إلى أن هذه المخاطر أصبحت إلى حد كبير محسوبة ضمن الأسعار الحالية.

تأثير محدود على سوق النفط الثقيل

قد تدعم المخاوف المتعلقة بتراجع الإمدادات الفنزويلية سوق زيت الوقود الثقيل، نظراً لاعتماد هذا القطاع على النفط المتبقي الغني الذي تشتهر به فنزويلا. إلا أن راسموسن يتوقع أن تكون هذه التأثيرات مؤقتة، مع احتمال تراجع الأسعار لاحقاً.

كما يشير إلى أنه في حال حدوث تغيير سياسي جذري داخل فنزويلا، فقد يؤدي ذلك على المدى الطويل إلى زيادة المعروض النفطي، رغم أن تعافي الإنتاج الكامل سيحتاج إلى وقت واستثمارات كبيرة.

احتياطيات هائلة مقابل إنتاج متواضع

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تتجاوز 300 مليار برميل، أي ما يقارب 17% من الاحتياطي العالمي، وتتركز معظم هذه الكميات في حزام أورينوكو المعروف بالنفط الثقيل.

ورغم ضخامة هذه الاحتياطيات، يوضح راسموسن أن الإنتاج النفطي لا يعكس هذه الإمكانات، إذ لا يزال أقل بكثير من مستوياته التاريخية. فعلى الرغم من تحسن الإنتاج خلال السنوات الخمس الماضية بعد انهياره في عام 2020، فإنه لا يزال بعيداً عن ذروة 2.5 مليون برميل يومياً التي سجلها قبل عقدين، نتيجة سوء الإدارة، والعقوبات، ونقص الاستثمارات.

أسوأ السيناريوهات المحتملة للأسواق

يقدّر راسموسن أن السيناريو الأكثر تشاؤماً يتمثل في فقدان السوق لما يصل إلى نصف مليون برميل يومياً من الصادرات الفنزويلية. ومع ذلك، يرى أن الأسواق قادرة على التكيف مع هذا النقص، خاصة في ظل التوقعات بوجود فائض في المعروض خلال الربع الأول، مدعوماً بضعف الطلب وزيادة إنتاج دول تحالف أوبك+.

النفط الفنزويلي الثقيل وتحديات التكرير

يتميز النفط الفنزويلي بثقله وارتفاع نسبة الكبريت فيه، ما يجعله غير مناسب لجميع المصافي. وتعد المصافي الأمريكية من بين الأكثر قدرة على معالجة هذا النوع من الخام، إلى جانب بعض المصافي الصينية التي واصلت استيراده رغم العقوبات.

وبرغم ذلك، يؤكد راسموسن أن أي نقص محتمل في هذا النوع من النفط لا يشكل تهديداً كبيراً لتوازن السوق العالمي.

تراجع الصادرات الفنزويلية

أظهرت بيانات S&P Global Commodities أن صادرات فنزويلا النفطية بلغت نحو 19 مليون برميل في ديسمبر، مسجلة انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بشهر نوفمبر الذي بلغ فيه التصدير أكثر من 27 مليون برميل، وكذلك أقل من مستويات ديسمبر من العام السابق.

الدور الأمريكي في التحكم بتدفقات النفط

من جانبه، يرى ديفيد جوربناز، محلل أسواق النفط في ICIS، أن أي تعطّل كبير في صادرات النفط الفنزويلي المنقولة بحراً، والتي تقدر بنحو 600 ألف برميل يومياً، قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع مؤقتاً، مع زيادة الفروق السعرية للنفوط الثقيلة الحامضة وإضافة علاوة مخاطر على خامي برنت وغرب تكساس.

ومع ذلك، يؤكد أن السوق العالمية ستظل مريحة من حيث الإمدادات حتى عام 2026، ما لم يكن الاضطراب واسع النطاق وطويل الأمد، حيث يمكن إيجاد بدائل من كندا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.

النفوذ الأمريكي وآليات السيطرة غير المباشرة

يشير جوربناز إلى أن التأثير الأمريكي لا يقتصر على امتلاك النفط، بل يمتد إلى التحكم في سلاسل الإمداد، من نقل الخام وتأمينه وتمويله، إلى الشحن والمخاطر القانونية. ويؤدي تشديد الرقابة على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات إلى رفع مخاطر الامتثال، ما يمنح الولايات المتحدة نفوذاً غير مباشر على تدفقات النفط، خصوصاً المتجهة إلى الأسواق الآسيوية.

المستفيدون والمتضررون من القيود

عادةً ما يستفيد موردو النفط الثقيل البديلون من أي قيود مفروضة على فنزويلا، مثل كندا وبعض دول الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، إذ تتحسن فروقات أسعار نفوطهم. أما شركة شيفرون، فلا تعتمد استفادتها إلا على مدى استمرار التراخيص الأمريكية التي تسمح لها بالعمل والتصدير، وهو أمر يبقى رهناً بالسياسات الأمريكية المتشددة تجاه فنزويلا.