كبح جماح الاقتراض الخارجي.. السعودية ترسم ملامح سياسة نقدية حذرة في 2026


الجريدة العقارية الاحد 04 يناير 2026 | 02:58 مساءً
كبح جماح الاقتراض الخارجي.. السعودية ترسم ملامح سياسة نقدية حذرة في 2026
كبح جماح الاقتراض الخارجي.. السعودية ترسم ملامح سياسة نقدية حذرة في 2026
وكالات

تشهد السياسة المالية للمملكة العربية السعودية تحولاً لافتاً مع مطلع عام 2026، حيث تشير التوقعات إلى اتجاه الحكومة نحو تهدئة وتيرة إصدار السندات الدولية.

وتأتي هذه الخطوة بعد ثلاث سنوات من النمو المتسارع في الاقتراض الخارجي، وضعت المملكة كواحدة من أنشط المصدرين السياديين في الأسواق الناشئة.

وتعكس هذه الرؤية الجديدة، التي كشف عنها المركز الوطني لإدارة الدين، رغبة الرياض في الحفاظ على توازن الأسواق وتجنب سياسة الإغراق، في إطار إدارة مدروسة للمخاطر المالية والالتزام باستدامة الدين العام.

بيع سندات دولية بين 14 و20 مليار دولار

وبالنظر إلى الأرقام المعلنة ضمن خطة الاقتراض السنوية، حددت وزارة المالية مستهدفات لبيع سندات دولية تتراوح قيمتها بين 14 و20 مليار دولار.

ويمثل الحد الأدنى لهذا النطاق أدنى مستوى للاقتراض الخارجي منذ عام 2022، مما يعطي إشارة واضحة للمستثمرين حول احتمالية نهاية موجة التمويل المكثف عبر الأدوات الدولية.

ورغم أن التجارب السابقة أظهرت مرونة السعودية في تجاوز التقديرات الأولية، كما حدث في عام 2025 الذي شهد إصدارات قياسية، إلا أن التوقعات الحالية من مؤسسات كبرى مثل "غولدمان ساكس" و"بنك أوف أميركا" تميل إلى ترجيح تنويع أكبر في مزيج التمويل، مع التركيز على القروض المشتركة والأسواق الخاصة بدلاً من الاعتماد الكلي على السندات العامة.

تراجع صافي الإصدارات الدولارية

وعلى صعيد هيكلية الدين، تعتزم المملكة تركيز إصداراتها الدولية لعام 2026 على الأدوات المقومة بالدولار الأمريكي، مع الحفاظ على نافذة مفتوحة للإصدار بعملات أخرى وفقاً لظروف السوق العالمية.

ومع ذلك، أشارت البيانات الرسمية إلى أن صافي الإصدارات الدولارية مرشح للتراجع، وهو ما يتماشى مع تصريحات وزير المالية، محمد الجدعان، الذي أكد على نهج الحكومة "الحذر جداً" في التعامل مع أسواق الدين العالمية.

وتأتي هذه الحيطة في وقت تسعى فيه المملكة لسد الفجوة المالية الناتجة عن تراجع الإيرادات النفطية وضمان استمرار الإنفاق على مشروعات رؤية 2030 العملاقة، والتي تتطلب استثمارات ضخمة تقدر بنحو تريليوني دولار.

رهان على تقليص العجز في الميزانية

وفيما يخص المؤشرات الكلية، تراهن السعودية على تقلص العجز في ميزانيتها العامة من مستويات تجاوزت 5% في عام 2025 إلى نحو 3.3% خلال العام الحالي، مما يقلل جزئياً من ضغوط الاحتياجات التمويلية.

وقد أظهرت استراتيجية المركز الوطني لإدارة الدين تحولاً عميقاً نحو "الأسواق الخاصة"؛ ففي العام الماضي نُفذ أكثر من نصف أنشطة التمويل البالغة 107 مليارات دولار عبر قنوات خاصة، بينما لم تتجاوز الإصدارات الدولية العامة حاجز الـ 20%.

هذا التوجه سيستمر بقوة في 2026، حيث تخطط الحكومة لتغطية ما يصل إلى 50% من احتياجاتها التمويلية البالغة 58 مليار دولار عبر الأسواق الخاصة، تاركة الباقي لمزيج من التمويل المحلي والدولي العام.

تستهدف المملكة من خلال هذه الهيكلة التمويلية المعقدة حماية تصنيفها الائتماني القوي وتوسيع قاعدة المستثمرين، مع تقليل التكلفة الإجمالية للدين.

إن التحول نحو الأسواق الخاصة والمحلية يعكس نضجاً في إدارة الديون السيادية، حيث تسعى الرياض إلى موازنة طموحات التحول الاقتصادي مع ضرورة الحفاظ على انضباط مالي يمنع التأثير السلبي على أسعار أدوات الدين السعودية في الأسواق العالمية، مما يضمن تدفق السيولة اللازمة للمشاريع الكبرى دون إرهاق الميزانية العامة بالالتزامات الخارجية طويلة الأجل.