لإحكام السيطرة على نفط العالم.. بعد اعتقال رئيس فنزويلا إيران على الرادار الأمريكي


الجريدة العقارية الاحد 04 يناير 2026 | 08:18 صباحاً
النفط الفنزويلي - تعبيرية
النفط الفنزويلي - تعبيرية
مصطفى سعداوي

في تطور سياسي وجيو استراتيجي بالغ الخطورة، أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية عسكرية مفاجئة، وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ عقود في أمريكا اللاتينية.

العملية، التي كشف عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات علنية، فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد، أعلن خلالها أن بلاده ستؤدي دورًا مؤقتًا في إدارة فنزويلا، مع إتاحة المجال أمام شركات النفط الأمريكية للعودة إلى استغلال احتياطيات البلاد الضخمة.

هذا التحرك أعاد إلى الواجهة سؤالًا مركزيًا حول الدوافع الحقيقية للخطوة الأمريكية، خاصة في ظل امتلاك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدّر بنحو 303 مليارات برميل، وهو ما يجعلها هدفًا استراتيجيًا في معادلة الطاقة العالمية.

النفط في قلب الاستراتيجية الأمريكية

يرى الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية، أن ما جرى لا يمكن قراءته باعتباره حملة لمكافحة المخدرات كما تروج واشنطن، بل خطوة تصعيدية مدروسة بعناية ضمن استراتيجية أوسع لاحتواء فنزويلا وإعادتها إلى الحظيرة الأمريكية.

ويؤكد أن هذه الاستراتيجية تستهدف إضعاف نظام مادورو إلى أقصى حد ممكن، أو إسقاطه، مع إعادة هيكلة الاقتصاد النفطي الفنزويلي بما يخدم المصالح الأميركية، واستعادة النفوذ المفقود في مواجهة التوسع الصيني والروسي في أميركا اللاتينية.

ويشير تركي إلى أن فنزويلا تحولت، بحكم ثرواتها النفطية الهائلة وموقعها الجغرافي، إلى ساحة مواجهة جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح واشنطن وموسكو وبكين، محذرًا من أن الضربات العسكرية الأخيرة ليست سوى حلقة في صراع أكبر بين القوى العظمى.

نفط العالم هدف استراتيجي

وفي أكثر من مناسبة أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن بلاده تعتزم إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية التي تضررت بفعل العقوبات والأزمات الداخلية، مع السعي لرفع الإنتاج وضخ النفط في الأسواق العالمية.

هذه التصريحات فجّرت جدلًا واسعًا حول ما إذا كان النفط هو الدافع الحقيقي وراء ما تصفه واشنطن بـ"الحملة على نظام مادورو".

ولا يقتصر هذا الخطاب على فنزويلا فقط؛ فترامب سبق أن لوح باتخاذ خطوات حاسمة ضد دول تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة أو تتحالف مع خصوم الولايات المتحدة، وعلى رأسها إيران، التي باتت بدورها على “الرادار الأمريكي” ليس فقط لأسباب نووية أو سياسية، بل لكونها لاعبًا رئيسيًا في سوق الطاقة العالمية.

تصعيد عسكري ورسائل متعددة الأبعاد

ويضيف الدكتور إسماعيل تركي أن التصعيد في مياه البحر الكاريبي، واستهداف سفن فنزويلية بضربات أمريكية، يقابله رد من كاراكاس عبر مناورات عسكرية واسعة تحت مسمى “سيادة الكاريبي”، وهو ما يعكس انتقال الصراع من الضغوط السياسية والاقتصادية إلى مستويات عسكرية أكثر خطورة.

وبرغم تأكيد ترامب أن هذه الضربات تأتي في إطار “الحرب على تجارة المخدرات”، يرى تركي أن واشنطن تستخدم هذا الملف تاريخيًا كذريعة للضغط على حكومات أميركا اللاتينية المعارضة لمصالحها، وأن اتهام مسؤولين في حكومة مادورو بالضلوع في تهريب المخدرات يمنح الولايات المتحدة مبررًا للتصعيد المباشر.

صدام جيوسياسي مفتوح

ردود الفعل الدولية لم تتأخر، إذ دانت الصين العملية واعتبرتها انتهاكًا لسيادة فنزويلا، محذرة من مساعٍ أمريكية لإحكام السيطرة على سوق النفط العالمي.

بكين، التي تُعد شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا لفنزويلا وطهران، أبدت قلقها من إعادة رسم موازين القوة في مناطق حيوية للطاقة.

روسيا بدورها أدانت الاعتقال، داعية إلى احترام القانون الدولي، في وقت بدا فيه أن فنزويلا أصبحت حلقة جديدة في صراع النفوذ بين القوى الكبرى، يمتد من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط.

فنزويلا وسوق الطاقة العالمية

من جانبه، يؤكد الدكتور محمد الطماوي، خبير العلاقات الدولية، أن تقييم تداعيات الأزمة الأمريكية الفنزويلية لا يمكن فصله عن الوزن الحقيقي لفنزويلا في سوق الطاقة العالمية.

ويوضح أن احتياطي البلاد النفطي البالغ 303 مليارات برميل، أي نحو 17% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة، يجعل أي اضطراب سياسي أو عسكري مرتبط بها مصدر قلق دائم للأسواق.

ويشير الطماوي إلى أن الإنتاج الحالي لفنزويلا، الذي يتراوح بين 850 و900 ألف برميل يوميًا، لا يعكس قدراتها الحقيقية، موضحًا أن البلاد كانت تنتج أكثر من 3.2 مليون برميل يوميًا في نهاية تسعينيات القرن الماضي، ما يعني وجود طاقة إنتاجية كامنة ضخمة قد تعود في حال تغيرت الظروف السياسية.

مخاوف من ارتباك الأسواق وارتفاع الأسعار

ويحذر خبير العلاقات الدولية من أن الأسواق لا تنظر فقط إلى حجم الإنتاج الحالي، بل إلى الإمكانات المستقبلية، مؤكدًا أن أي تصعيد عسكري أو تشديد للعقوبات قد يؤدي إلى تعطيل هذه الطاقة الكامنة أو إعادة توظيفها سياسيًا، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار النفط عالميًا.

كما لفت الطماوي إلى أن جزءًا كبيرًا من صادرات النفط الفنزويلي يتجه إلى الصين عبر ترتيبات معقدة، ما يجعل أي تعطيل لوجستي في البحر الكاريبي عاملًا شديد الحساسية لتوازنات السوق.

إيران على المسار نفسه

في موازاة ذلك، يرى محللون أن التصعيد ضد فنزويلا يتقاطع مع سياسة أمريكية أوسع تجاه إيران، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، بل امتد بوضوح إلى ملف النفط والتحالفات الطاقية مع الصين وروسيا، في إطار سعي واشنطن لفرض هيمنة مستدامة على مصادر الطاقة العالمية.